السيد محمد تقي المدرسي
230
من هدى القرآن
( 206 ) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ لو أخرنا عنهم العذاب ، ومتعناهم سنين ، وجاءهم العذاب ، هل تنفعهم هذه السنين وهذا التمتع ، فما الله بمزحزحهم من العذاب أن يعمروا ألف سنة ، والله بصير بما يعملون . لقد عمر نوح عليه السلام ثلاثة آلاف سنة ، ولم يبن له إلا كوخا يستر نصفه ، فجاءه عزرائيل وسأله : لِمَ لمْ تبن لك بيتا يسترك ؟ قال : إن الذي أنت وراءه كيف يبني بيتا . [ 208 ] وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ إن الله لا يعذب قرية إلا بعد أن يرسل إليها منذرين ، وبذلك تتجلى رحمة الله بأظهر ما يكون . قال تعالى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] . [ 209 ] ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، وحين يعذبهم الله فليس بظالم ، لأنه قد أرسل إليهم رسلا من قبل . [ 210 - 211 ] إن جوهر الفكرة التي يوحي بها الله تختلف عن جوهر الفكرة التي يلقيها الشيطان ، ويتناقض معه تناقضا كليا ، فمصدر هذا الهوى ، ومصدر ذاك نور الله ، وهذا يضل ، وذاك يهدي ، وهذا يستثير الشهوات ، ويأمر بالفحشاء والمنكر والبغي ، وذاك يثير العقل ، ويأمر بالعدل . فكيف يختلطان ؟ . وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ( 210 ) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ لم تنزل الشياطين ومن اتبعهم من أدعياء المعرفة مثل هذا القرآن ، وما ينبغي لهم لأنه لا يتناسب وطبيعتهم ، ولا يستطيعون ذلك لأنهم . [ 212 ] إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ أي سماع الوحي من الله سبحانه . وبهذا نميز بصائر الوحي عن تخرصات الشياطين . إن الطريق للتمييز بينهما يتم بمعرفة مصدرهما ، وكذلك بمعرفة آثارهما . فبصائر الوحي التي من عند الله أو من عند رسوله وأولي الأمر من بعده تبعث فيك المسؤولية ، وتنير لك الطريق ، وتهديك صراطا مستقيما ، بعكس تخرصات الشياطين التي تبعث فيك التكذيب والاستهزاء والحقد ، والأنانية و . . .